مزمار الحي لا يطرب
زامر الحي لا يطرب هو أحد الأمثال العربية القديمة التي انتشرت في منطقة الخليج، وهي تعني أن مطرب الحارة لا يطرب ساكنيها وذلك لكثرة عزفه ، الذي تتعود عليه الآذان فيصبح حينها بلا قيمة لديهم لأنه لا يقدم جديد، ويضرب هذا المثل حينما يلقى المرء من جماعته تجهماً ونكراناً، ويشعر معهم بتدني القيمة وانعدام الوجود.
قد يتقبل أحدنا بعض الأفعال الشاذة من الغرباء وربما يقلدها، فيتعلق بموضة لاعبي كرة القدم الأجانب من رسم الوشم على الأيدي أو الجسد رغم مخالفته للإسلام، أو يقوم بحلق شعره على قصة اللاعب الفلاني رغم غرابتها أو شذوذها.
وقد يرتدي ملابس تتنافر مع التقاليد والأخلاق الإسلامية والعربية، في الوقت الذي ينفر فيه من فعل بعض أقرانه، وربما يسخر منهم، ومن أفعالهم، كما يصل بسخريته لحد الاعتقاد بتخلف ورجعية صاحبها.

قصة المثل
يحكى أن زماراً نبغ في العزف على مزماره فكان كل ليلة قبل مغيب الشمس، يخرج ألته ويؤنس وحدته وهو يرعى قطيعه من الغنم، فكان الشاب يشدو بأجمل الألحان التي تنقلها الرياح لأهل قريته، فيستمعون لمطلعها ثم ينشغلون بأعمالهم رغم عذوبة ألحانه، وكان إن مر بينهم لا يعيرونه اهتماما ولا يشعرونه بحلاوة ما يصنع.
ظل الشاب على حاله يعزف كل يوم دون أن يسمع كلمة تحفيز واحدة، حتى مر عليه واحداً من الرحالة في يوم من الأيام فاستوقفته ألحانه، وطلب منه أن يرافقه في مقابل أن يمنحه كل شهر ألف درهم، فوافق الشاب على عرض الرجل الرحالة وسافر معه إلى قرية ليست ببعيدة، وهناك أعلنوا عن حفلة كبيرة عزف بها الشاب أعذب الألحان، ونال رضا وتصفيق الجمهور.
وهكذا حفلة تلو الأخرى ذاع صيت الفتى واشتهر في كل القرى المجاورة، ولما اغتنى الزمار واشتهر تمنى أن يعود إلى قريته، وطلب من الرحالة أن يذهب معه هناك ويقوما معاً بعمل حفلة كتلك الحفلات التي أقاموها في القرى المجاورة، ولكن نصحه الرحالة بعدم الذهاب لأن قريته لا فن فيها ولا مال.
ولكن شوق الفتى لأهله وأبناء قريته جعله يلح على الرحالة في الذهاب، وبالفعل ذهب الاثنان معاً في موكب مهيب، وحينما وصل الشاب أخذ يتأمل ربوته التي كان يجلس عليها ويعزف أول ألحانه، وحينما دخل الشاب اجتمع حوله الناس ولكن لرؤية من صاحب الموكب المهيب، ولما خرج عليهم لم يعرفوه من حسن مظهره وثراءه، حينها ابتسم الشاب وأخرج نايه وأخذ يشدو به أجمل الألحان التي طالما سمعها الناس في قريته.
ولما انتهى الشاب من لحنه انتظر سماع صوت المصفقين، ولكنه لم يجد حوله سوى اثنان واحد منهما هو الرحالة والثاني شيخ عجوز، فقال له الرحالة: إن زامر الحي لا يطرب، وأما الشيخ العجوز فقال له: ”أخطأت إذ أتيت، وأخطأت إذ تدنيت، وأخطأت إذ تمنيت“.
فسأله الشاب عن مقصده فقال الشيخ الحكيم أما الأولى: ” فأخطأت إذ أتيت من أرضٍ رحبت بك لأرضٍ طردتك، فليس بعد الزيادة إلا نقصان ”، وأما الثانية: ”فأخطأت إذ تدنيت وكان يقصد بقوله ذلك الرحالة الذي كان يعطيه ألف درهم ويكسب من وراءه ألف دينار، وأما الثالثة: ”فأخطأت إذ تمنيت أن تجد الخير في أهلك بعد أن وجدته في غيرهم”.
العبرة
ونستطيع ان نطبق هذا المثل على حياتنا في أمثله كثيرة، الرجل مثلاً يرى أن زوجته والتي هي ملكة وحلاله بعد فتره من الزواج لم تعد تطربه وأن غيرها من النساء أفضل منها، رغم أن هذا الكلام قد يكون غير صحيح، ولفهم سبب هذا الفتور نرجع للمثل الشهير “مزمار الحي لا يطرب”، لأن زوجته متاحة له ويستطيع الحصول عليها في أي وقت فقدت بريقها وأصبح غيرها أكثر إغراءاً.
جانب أخر يتضح فيه معنى هذا المثل وهو القنوات الفضائية العربية، فتجد السعودي مثلاً غير مقتنع بقناته الفضائية المحلية ويتعبرها غير جذابة ببرامجها وممله في طرحها، في المقابل تجده معجب بتلفزيون الكويت مثلاُ، على الرغم من أن القناتين أفشل من بعض حسب رأيي المتواضع، والعكس أيضاً صحيح تجد الكويتي (وهذا مجرد مثال) غير مقتنع بقنواته الفضائية المحلية ويقضي ساعات يتابع قناة السعودية أو تلفزيون البحرين.
هذه الحالة في إعتقادي ليس لها حل وستظل موجودة دائماً وأبداً، لأننا لا شعورياً نمل من كل شيء نحصل عليه، مهما كنا متشوقين له في البداية، لابد وأن يأتي يوم ونمل منه وننظر إلى غيره في شوق وإعجاب.
قصص عالمية
ربما لا يعلم البعض أن الأسترالي مبتكر «الصندوق الأسود» الذي يسجل المحادثات في قمرة القيادة بالطائرة، ويتحمل شدة المكوث في أعماق المحيطات والحرائق والارتطام بالأرض، لم يكن مرحباً بابتكاره في بلاده، رغم أنه يقدم معلومات دقيقة تمكن الشركات المصنعة للطائرات من تدارك الخلل في التصنيع واللوائح والقوانين.
ومع ذلك كله اعتبر الجهاز «ليس ذا جدوى في الطيران المدني»، حسبما قرأت في موقع للحكومة الأسترالية. غير أن الإنجليز ما إن علموا به وجربوه حتى بدؤوا في محاولة استخدامه، وهم الرواد في مسائل الأمن والسلامة.
وربما يعود ذلك في أحد الأسباب إلى أن «زامر الحي لا يطرب»، وهي قضية تحدث في كل زمان ومكان. فكم من عبقري بذكاء خارق تتلقفه أجهزة الاستخبارات الأجنبية ليكون عينها في ميادين «العدو». وكم من «عميل مزدوج» أجمع على عبقريته الفذة بلدان بعد أن سبق أحدهما الآخر في اكتشاف موهبته. وكم من فيلم أو شاعر مغمور في بلاده سلطت عليه أضواء الأوسكار أو شاعر المليون فتفتحت له آفاق المجد. وكم من مقطوعة من الفولكلور العربي المنسي سمعنا كيف يترنم بها أفراد الأوركسترا في أقاصي الشرق والغرب.
العلماء والمتخصصون على مر العصور أكثر من عانى عقدة «زامر الحي لا يطرب»، ولذا قالت العرب «أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه». وقيل أيضاً إن «مثل العالم كالحمّة (أي العين الحارة الماء) يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء».
والأنبياء أنفسهم على مر العصور أول من حاربهم قومهم، حتى إنه قيل، كما في معنى الحديث الشريف، إن بعضهم سيبعث ومعه الرهط، والفرد والفردان من أمته، وبعضهم ما دون ذلك. وهذا دليل على أن رأي عامة الناس بنا ليس شهادة تقدير بالضرورة، مهما كانت عظمة المشروع أو الرسالة التي نحملها على عاتقنا. ولذا قيل «لا كرامة لنبي في قومه»، مع استثناءات معروفة.
وعدم تقدير الإنسان لبني جلدته يمتد إلى ما دون ذلك. فحتى البهائم تعاني من «زامر الحي لا يطرب»، كالإبل التي نتغنى في «جمالها» وسرعتها وفوائدها، لكن الدراسات الرصينة تأتينا من بوابة الغرب لتحطم معتقداتنا البالية عن «سفينة الصحراء» التي لا تستند في أحايين كثيرة إلى دليل علمي واحد.
وحتى البطريق الذي تندر على مشيته بنو جلدته في القطب الشمالي وغيرهم، قد تمكن العلماء الألمان من اكتشاف أن تلك المشية المثيرة للضحك، هي في الواقع أفضل طريقة تبين علمياً أنها تحافظ على توازن من يمشي على الجليد أو الأسطح الملساء المبللة باتباع أربع خطوات تجنبنا مخاطر الانزلاق. وهي تقوم على فكرة أن مركز جاذبية الإنسان في منتصف جسمه، فإذا ما أراد الاتزان لحظة سيره على تلك الأسطح الرطبة فإنه يجب
أولاً أن يميل بجذعه كله نحو الأمام ماداً رجله أمامه ليتزن.
ثانياً، يثني ركبته قليلاً ليخفض من مركز الجاذبية (منتصف جسمه).
ثالثاً، يباعد قليلاً بين قدميه أفقياً ليشكل قاعدة عريضة تدعم مسيره واتزانه.
وأخيراً يأخذ خطوة قصيرة ثم يجر القدم الخلفية ببطء نحو الأمام... وهكذا دواليك. وهذا ما ثبت علمياً أنه يساعد المرء على الاتزان.
الرأي
حتى نكافح ظاهرة «زامر الحي لا يطرب» لا بد أن يتخلص المتميزون من الحساسية الزائدة في عرض قدراتهم «ليزاحموا السيئين» في المجتمع. ويمكن أيضاً أن تنشئ المنظمات العامة والخاصة بنكاً أو وحدة تجمع السير الذاتية للموهوبين في مجالات تهمها لاستقطابها عند الحاجة، فبالموهوبين والمتفانين في عملهم ترتقي الأمم وتتقدم، وبهذا ربما يجد زامر الحي من يرد إليه اعتباره.
في البلاد العربية نعاني من هذه المسألة بشكل واضح، وعندما أقول (واضح) فإني أعنى ألا خلاف على ذلك في الأوساط الشعبية، فهناك شبه إجماع على أن هنالك ظلم يتعرض له الكثير من الكفاءات بسبب كونه من أبناء أو بنات البلد، وكأنما يستكثر عليه هذا التميز، أو لا يستوعبه، أو لا يصدقه.
وبرأيي أن القضية بدأت قبل عقود في بداية انخراط أسلافنا في الحياة المدنية، الأمر الذي ترتب عليه أن اضطرت هذه الدول بحكم الحاجة الملحة إلى استقدام الكفاءات من الدول الأجنبية في شتى العلوم الطبية والثقافية والتعليمية والاقتصادية والإلكترونية والدينية والرياضية والزراعية والاتصالات والبترول وفي البناء. وكل مجال لم أتطرق له بحكم عدم الإلمام.
الأمر كان طبيعيّاً تمارسه كل دول العالم النامية ولا زالت، سواء بشكل فردي أو على شكل شركات. وبالتالي فإن كثيراً من العرب أصبحوا شيئاً فشيئاً يتعلمون من هذه الأجنبية ليحلوا محلهم مستقبلاً.
فهل نكفّ عن ترديد دهشتنا من حضور الوجاهة في مواقع لا تحتمل الوجاهة بالوراثة، وأن نتروى في خلع صفات المواهب على سلالة بلا مواهب؟ «فزامر الحي لا يطرب» و «ابن الوز غير عوام» وإن شئتم «فالنار لا تورث إلا الرماد».
تساءلتُ غير موقن بأنني سأصل لإجابة تريحني: ما هي المؤثرات الأكبر في تشكيل وصناعة شخصية الفرد؟ وكيف تظهر تلك الصفات التي تتحرك بين التوثب أو الانكفاء أو المراوحة بين النسخ المتشابهة، أو تلك التي تختفي خلف ستار قد يشف وقد يرخي أسداله الثقيلة عن شخصية أخرى وملامح أخرى؟
لو أن زوجين فائقيْ الذكاء والتوثب وبارعين في رسم ملامح حياتهما، أرادا أن ينجبا طفلا هل بمقدورهما أن يصنعا سماته الشخصية كما يحبان ويحلمان، هل الأبناء امتداد ذكي للآباء؟ هل هذه حقيقة يمكن الركون إليها أم أنها من بعض أوهام المجتمع؟ أم أن النماذج المقروءة كافية للشهادة على القدرة على صناعة مواهب من مواهب، وأخلاق من أخلاق وفضائل من فضائل؟
هل حقيقة أن «ابن الوز عوام» كما هو شائع ومتداول؟ وهل العوم صفة مكتسبة بالتدريب والمران أم استعداد فطري في مخلوق يجب أن يعوم ليكسب الحياة، كما هي الحال في بعض مخلوقات الله، وهل العقارب الصغيرة تتربى على اللدغ والإيذاء من أمهاتها أم أنها لو تركت بلا مران ستكون عقارب قادرة على ممارسة اللدغ والأذى بالفطرة؟
تتوزع المواهب والقدرات والاستعدادات بين البشر بلا قدرة على ضبطها أو التحكم بها. إنها منحة الخالق، وليست من أوهام المعتقدين أن بمقدورهم أن يصنعوا المواهب من اللامواهب، والقدرات الفائقة من الاستعدادات الباهتة، والشعور بالمسؤولية من بلادة الشعور، والاحتراق بحثا عن الذات في وسط بيئة الخمول والتراخي.
يحاول الآباء المدركون ألا يميزوا بين أبنائهم، إلا أنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن هناك أبناء مفضلين لأنهم يحملون صفات يحبونها ويقدرونها. يتوزع الأبناء الذين خلقوا في رحم واحدة وبين مؤثرات تربوية وتعليمية واجتماعية لم تختلف أو تتغير، إلا أن كل مولود يحمل سماته الخاصة، بين الخمول والتأجج، بين الحركة والتوقف، بين الذكاء والأقل ذكاء، بين الامتثال والتمرد، بين الشعور المبكر بالمسؤولية أو انطفاء ذلك الشعور وتراخيه، بين رغبات واستعدادات وميول وأمزجة ربما أسهمت في تألق بعضهم وربما أدخلت والدين حالمين في معادلة التأهيل وإعادة التأهيل الشاقة.
إنها سمات تؤثر فيها جينات واستعدادات فطرية ولدت مع الطفل، خريطة جينية لا يمكن تجاوز تأثيراتها في تشكيل ملامح شخصية كما هي قدرية ملامحه الخارجية. هذه البصمة هل تكون المدخل لمحاولة فهم تلك الفروقات والتمايزات؟ مع أهمية الأخذ بالاعتبار التأثير الكبير للتربية والمجتمع والتعليم، إلا أن الأخيرة لن يكون بمقدورها وحدها أن تجعل ابن «الوز» عواماً، ولن تقوى على صناعة المواهب والقدرات دون استعداد وقدرات. بل إن هذا الدور لا يتجاوز في كثير من الأحيان مخرجات التعليم كما نعرفه، والتدريب والتأهيل والمران في تحسين قدرات أو تجاوز سلبيات. وهو مفيد لأبناء «الوز» للحصول على مؤهلات البقاء عبر دعم «الوز» وحضوره وتأثيره، ألا انه ليس بالضرورة استعادة لتاريخ «الوز» ونبوغه ومهارته.
وكما أن ابن «الوز» غير عوام بالضرورة . والعوم هنا لا علاقة له بالتكوين المادي، ولا بظلال عادات وتقاليد وثقافة تتوارث، بل هو ذا صلة بالذات تألقاً وانطفاءً، صعودا وهبوطا، نجاحا وذبولا ... فكذلك فإن «زامر الحي لا يطرب». حيث تتحرك قضية الاعتراف بالمواهب من خارج أسوار الوطن أكثر من انبثاقها من بين جدرانه وثقوبه.
توقفت عند مقطع لجلال أمين في كتابه الأخير «رحيق العمر» ينسجم مع تلك الرؤية الخاصة تجاه تكوين الأبناء وانشغالاتهم وتعدد شخصياتهم يقول « لم أتوقع أن يقرأ أولادي الثلاثة كتابي (ماذا علمتني الحياة) لما علمتني إياه الحياة من أن «زمار الحي لا يطرب»، وهي عبارة سمعتها من أبي أكثر من مرة، ورأيت دليلا على صحتها في مواقف أبناء أدباء وكتاب كثيرين من أعمال آبائهم. ولهذا اكتفيت بأن أعطيت كلاً من أولادي نسخة، كتبت عليها إهداء، دون أن أسأل بعد هذا عما إذا كانوا قرؤوه أو قرؤوا أجزاء منه. وقد كانت مفاجأة سارة لي أن أعلم أن اثنين منهم قرآ الكتاب، وإن كان واضحا لي أن الثلاثة، سواء من قرأه منهم أو من لم يقرأه، لم يعلقوا عليه أهمية تقارب ما علقته أنا عليه. وقد أكد هذا لي ما كنت قد توصلت إليه من قبل، من أن من الخطأ الشديد اعتبار أولادنا استمرارا لنا، ومن ثم فلا يمكن أن نأمل أن يعتبروا قصة حياتنا جزءاً من قصة حياتهم».
لا يشكو جلال أمين من انصراف أبنائه عن قراءته، إلا أنه يقرر بعد هذا العمر حقيقة ليست خفاء. المعنى ليس فقط في أن «زامر الحي لا يطرب»، ولكن أيضا «ابن الوز غير عوام». لأنه لو وجد هؤلاء الأبناء في تلك الكتب ما يقع في نفوسهم موقع التأثير الذي وقع في عقل جلال أمين من كتب والده أحمد أمين لربما كان الأمر مختلفا. ولم يكن أيضا جميع أبناء أحمد أمين صاحب فجر الإسلام وضحى الإسلام، ذوي صلة واهتمامات ثقافية أو أدبية أو يملكون القدرة على الكتابة سوى ما كان من حسين أمين وجلال أمين. وهما بين أبناء بلغ عددهم الثمانية.
زامر الحي لا يطرب، ليس فقط في دائرة الأسرة الصغيرة، ولكن على مستوى مجتمع ووطن أيضا. فتشوا عن زمار الحي في وطنكم، وقولوا لي كم منهم أطرب أهل الحي بينما أهل الحي يتخطفون زمارا من خارج الحدود، فما زالوا يطربون للزُمار من كل جنس ولون إلا زامر حيهم !!.
أعود «لأبناء الوز» فأقول لا تغتروا بهم كثيرا. فكثير منهم يحملون هالات آبائهم وحضور إمكاناتهم ومواقعهم، ولكن ليس بالضرورة أن يحملوا مواهبهم وقدراتهم. تعددت قدرات «الوز»، فهم رجال أعمال، وصناع ثروات، ورجال مسؤوليات، وحضور ثقافي وأدبي وعلمي .. يخلفون أبناء إذا رأيتهم حسبتهم «وزا « عواماً كآبائهم، ولكنهم في الحقيقة يلبسون أردية «الوز»، ويركبون مصاعد «الوز»، وينعمون بكل حضور «الوز»، إلا أنهم ليسوا بالضرورة «وزا» عواماً كما كان حضور الآباء المؤسسين أو أسلافهم الراحلين. إنهم يعيشون على تراث «الوز» الذي كان يوما. ويتحلقون حول موائد الأسماء بلا سجل الأسماء الحقيقي الذي يعطي مشروعية العوم للقادرين عليه. ومن شواهد الزمن أن الوجاهة اليوم وراثة لا صناعة. والحضور أسماء متوارثة وليس تاريخا شخصيا حافلا، وعناوين براقة ولكن بلا قدرة العوم في خضم التحدي الشاق.
وقد ترى ملامح النجابة والحيوية والانطلاق بين أبناء لا علاقة لآبائهم بالعوم، ولم يكونوا من ذوي الحضور أو الهالات، وربما لو تغير زمنهم أو مكان ولادتهم ونشأتهم لكانوا في مواقع العوم، ولأصبحوا «وزا» له شأن وأي شأن. وقد تخفت تلك المواهب المبكرة وتذوي وتضمحل، وقد تساق في طرق تجعل المواهب عبئا ثقيلا على صاحبها، وربما على مجتمعها...ولكن هي الحياة تنبثق فيها جينات المواهب من سلالة الأحياء / الميتين، حتى لنردد بلا تحفظ في لحظة انبهار أو دهشة «يخرج الحي من الميت» . فكم من ميت أنجب شعلة تتحرك بلا انقطاع وتتوثب بلا تراخٍ، لتصنع عالمها من لا عالم، وتعلن عن ذاتها في بيئة الخمول والتثاؤب، فالتحدي قرين الاستجابة وإلا فالضعف والموت المبكر.
هل نكفّ عن ترديد دهشتنا من حضور الوجاهة في مواقع لا تحتمل الوجاهة بالوراثة، وأن نتروى في خلع صفات المواهب على سلالة بلا مواهب؟ «فزامر الحي لا يطرب» و «ابن الوز غير عوام» وإن شئتم «فالنار لا تورث إلا الرماد».
شواهد
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:ارحل بنفسك من أرض تضام بها ولا تكن من فراق الأهل في حرق
من ذلّ بين أهاليـــــــــــه ببلدته فالاغتراب لـــه من أحسن الخلق
وقال السري الرفاء:
قوّض خيامك عن دار ظُلمْت بها و جانب الــذل , إن الذل يجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان مَضيعةً فالصندل الرطب في أوطانه حطب
والصندل نوع من الاشجار يستخرج منه اغلى واجود انواع العطور.
اما ابو الفرج بن الجوزي فيقول :
عذيري من فتية بالعـــراق قلوبهم بالجفـــــــا قُلَّبُ
يرون العجيب كلام الغريبِ وقولُ القريبِ فلا يعجبُ
وعذرهم عند توبيخــــهم "مغنية الحــــيّ ما تطرب"
قراءة ممتعة نتمناها لكم
كل الأمنيات بالإفادة والاستفادة
نستقبل آراءكم ومشاركاتكم 😊 عبر صفحتنا على الفيسبوك
أو عبر بريدنا الالكتروني: omneiat.7@gmail.com
No comments:
Post a Comment