خريف
المشهد الأول
-"لقد وصَلَ بريدُ
معاملتِك" صوتٌ أجشُّ يُناديه باسمه ثمَّ يصْعَقه
كانت برقيّةُ البريدِ الوارِد
تقولُ ما مضمونُه: أنتَ أمام ثلاثةِ خَياراتٍ أحلاها السَّفرُ
تجمَّد بيبرسُ في مكانِه وأصبحتِ الأصواتُ في غُرفةِ المديرية العامَّة كلُّها أصداءً, لم يعِ بعدُ ما أصابه.
"أهكذا؟؟!! بهذه البساطة؟؟!!"
كثيرةٌ تلك الجُمَلُ الَّتي نقولها ولا نعي فعلاً ما تعني لمَنْ يسمَعها, وما تأثيرها وما صداها في النُّفوس.
"وماذا
عسَايَ أفعلُ الآنَ؟؟!!" حدَّث بيبرسُ نفسَه
كان بيبرسُ يُدرك أنَّه سيقَع تحت رحمةِ هذه الخَيارات عاجلاً أمْ آجلاً فحضَّر نفسَه للحدَث ولكنَّه نَسِيَ أنْ
يُحضَّر نفسَه لموعدِ الحدثِ, إنَّها طبيعةُ النُّفورِ مِن أقدارٍ لا نُحبِّها رغم حتْميَّتِها ومعرفَتنا الكاملة بحتْميَّتها فلا نجدُ
ما يُواسي ألَمَ التَّفكيرِ بها إلَّا التَّناسي, لذلك ليسَت كلُّ الصَّدماتِ حقيقيةً ولا مُفتَعلةً ولكنَّنا نَجِدُ في الصَّدماتِ
الَّتي نختار بأنفسِنا أنْ تكون صدماتٍ مهرباً مِن ألَمِ القَرارِ. نعَمْ, القَرارُ. فالصَّدمة ألَمُ ساعةٍ أمَّا القرارُ فقد يكون
سبباً لِلَوْمِ
وألَمِ كلِّ السَّاعات.
"وهل كان في القرار مَخْرجٌ؟؟!!" يُحدِّث بيبرسُ نفسَه, "لو كان مَخْرجاً لما صار مَهْربَاً, إنَّنا في واقع الأمْر ضحايا
قراراتِ الآخرين شِئنا أمْ لمْ نشاء. وهل نحن الَّذين نختار مُحيطَنا؟؟!!
أمْ أنَّنا مِن عُشَّاق الشَّقاء" (بتهكمٍ)
لم يَكنْ بيبرسُ مِن الَّذين يَرَوْن أنَّ اللَّذة تَنْبعُ مِن الشَّقاء كهؤلاءِ الَّذين يَسْعون إلى الشَّقاء في العبادةِ ليلتمسُوا
لِذَّة الطَّاعة بلْ كان يختلفُ كُليَّاً عن هذه الأساليبِ في حياته, دائماً ما كان يَسْعى لسَعادة اللَّحظة وراحةِ
الواقعِ. ولكنَّ هذه
الغاياتُ لا تكون خَياراً أبداً.
"ألَا تسمعْ؟؟ هل أنتَ أصَمَّ؟؟ هيييييه أيُّها الأبلهُ خُذْ بواقيكَ وارحلْ مِن هُنا قبلَ أنْ أُخرجَك بطريقتي" ذاتُ
الصَّوت القَبيح أيْقظَه مِن شُرود ذِهنه وغثَيان صدمَته وفَوْضى
أفكارِه
لملَمَ أشياءَه وخرجَ مُسْرعاً يتخبَّط بطابورِ الوُقوف الطَّويل كأنَّه سَكرانٌ وسَطَ تذمُّرِ الجميع مِن حَوْله. كان يَعِي
تماماً ما طريقتُه الَّتي قصدَها, لذا كان عليه الخروجُ بأقصى سرعةٍ.
-"كيفَ حالُك؟؟!! بعدَ زمانٍ – سُبْحان الله- لماذا لا نَرَاك؟؟" كان هذا صوتُ أحدِ معارفِ بيبرسَ القُدَماء
استوقفَه وبدَأ بمحادثتِه.
-"لا عليكَ, لا عليكَ.
أنا في عجلةٍ الآنَ. أراكَ قريباً" أجابَه بيبرسُ بسرعةٍ واستمرَّ ماشياً في
طريقٍ لا يعرف وُجهَتَه.
"ربَّما ظنَّ أنِّي مُتَكبِّرٌ أو مُتَعجْرفٌ ولا أُريدُ محُادثتَه" على أيِّ حالٍ, كثيرةٌ هي المواقفُ الَّتي نَبْني على أساسِها
مُعتقداتٍ دونَ أدْنى تفكيرٍ بظروفِ المواقف تلكَ. عاداتُ البشرِ السَّيِّئة يعرفونها جيِّداً ولكنَّهم على ما يبْدو
يحبُّونها فلا يتخلَّوْن
عنها".
"ماذا أفعلُ؟؟!! ماذا سأقول
لعائلتي؟؟!!"
"وكيفَ لي أنْ أسافرَ
بهذه السُّرعةِ؟؟!!"
أشْعلَ سيجارتَه علَّ نُفاثَ
دُخانها يُلهِيه عن الطَّنينِ الَّذي بدأ يصْدَع رأسَه ويصمُّ أُذُنَيه.
"بيسانُ, رُغمَ عادتي بجَلْبي الأخبارَ السَّيِّئة دائماً لكِ, ولكنَّه ربَّما يكونُ أسوأ خبرٍ تتلقَّيْنه منِّي وربَّما الأسوأ في
حياتكِ" أصبحَتْ أفكارُ بيبرسَ تدورُ بَيْن حبيبتِه وأهلِه
ومصيرِه.
"ولكِنْ مَهْلاً؟؟!! ألَا
يُمكِنُ لمجْدَ أنْ يجِدَ لِي حلَّاً؟؟!! يجبُ أنْ أذهبَ إليه وأُخبِرَه. أنَا
واثقٌ أنَّه يُوجدُ حلٌّ"
صوتٌ فوضويٌّ جدَّاً قطَعَ
عليه الطَّنين الَّذي في أُذُنَيْه "هيييييييييه, ما بِكَ, مَهْلاً, وكأنَّه
زمُّور تنبيهِ القِطار, بيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييب
"حمداً لله على سلامتك,
عليكَ أنْ تنْتبِه للطَّريق, السَّيَّاراتُ تأتي مُسرعةً هُنا"
"أينَ مجْدُ؟؟؟ صَديقيْ
مجْدَ" أصبحَتِ الرُّؤيا في عينَيْه صُورٌ باهِتةٌ لا وُضوحَ فيها.
أصواتُ النَّاس مِن حَوْله:
"لا حَوْل ولَا قُوَّة إلَّا بالله"

No comments:
Post a Comment